السيد محسن الأمين
80
أعيان الشيعة ( الملاحق )
دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) فنزلت على ما ذكره المفسرون في قوم من العرب كانوا يعبدون الجن فأسلم الجن أو كانوا يعبدون الملائكة وقيل كانوا يعبدون عيسى وعزيرا واعترضه الطبري في تفسيره بما حاصله : ان الآية دالة على وجودهم في عهد النبي ( ص ) وعزير وعيسى ليسا كذلك انتهى ( وفي الكشاف ) ( أُولئِكَ ) مبتدأ و ( الَّذِينَ يَدْعُونَ ) صفته و ( يَبْتَغُونَ ) خبره و ( أَيُّهُمْ ) موصوله بدل من واو يبتغون يعني ان آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله الذين هم أقرب منهم وازلف فكيف بغير الأقرب انتهى فالآية دالة على أنهم اتخذوهم آلهة من دون الله وعبدوهم وليس فيها ما يدل على أنه لم يصدر منهم في حقهم الا طلب شفاعتهم عند الله والتوسل بهم اليه وان اشتملت على لفظ الدعاء وان المدعوين يبتغون إلى ربهم الوسيلة لكن قوله فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا دال على أنهم كانوا يعتقدون فيهم القدرة على كشف الضر وتحويله عنهم بأنفسهم ولذلك عبدوهم واتخذوهم آلهة من دون الله بدليل قوله تعالى الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ومع ذلك فقد كذبوا الرسل وعاندوهم ( وأما ) من يعبد عيسى وأمه فحالهم أوضح وأظهر والعجب كيف جعل عبادة عيسى وأمه وجعله إلها خالقا رازقا مدبرا للكون متحدا مع الله تعالى كمن يتشفع بصالح إلى الله ما هذا الا الجهل أو العناد وكذلك جعله رجاء الشفاعة من الصالحين هو قول المشركين ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا واضح الفساد بما عرفت من صراحة الآيتين في وقوع عبادة منهم غير الشفاعة جعلت علة لها مرة وعطفت عليها أخرى والعلة غير المعلول ومقتضى العطف التغاير كما سيأتي في فصل الشفاعة . وقال الصنعاني في تطهير الاعتقاد « 1 » ما حاصله بعد حذف تكريرات كثيرة وتقديم وتأخير : التوحيد قسمان توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها أي ان الله وحده هو الرب الخالق الرازق للعالم وهذا لا ينكره المشركون وتوحيد العبادة أي إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات وعدم عبادة غيره معه وهذا الذي جعلوا لله فيه الشركاء ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى . والرسل والأنبياء من أولهم وهو نوح إلى آخرهم وهو محمد بعثوا لتقرير توحيد الربوبية كقولهم : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ . هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ . أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا . فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ . أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ * ) استفهام تقرير لهم لأنهم به مقرون ولم ترد الآيات في الغالب الا بصيغة الاستفهام التقرير . والدعاء إلى توحيد العبادة وإخلاصها والنهي عن شركها . قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) فأفاد ان جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل الا لطلب توحيد العبادة ( أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) وكل رسول أول ما يقرع به اسماع قومه ( يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ * . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ) ولم ترسل الرسل لطلب توحيد الربوبية لأن المشركين مقرون به بدليل قوله تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ * ) 80 الآيات المتقدمة في كلام ابن عبد الوهاب . وكل مشرك مقر بان الله خالقه وخالق السماوات والأرض ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم : ( أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ . إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ) والعبادة اعتقادية كالاعتقاد بالتوحيد ولفظية كالنطق بكلمته وبدنية كالصلاة ومالية كالزكاة والعبادة أقصى باب الخضوع والتذلل ولم تستعمل الا في الخضوع لله لأنه مول أعظم النعم فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع كما في الكشاف . ورأس العبادة وأساسها التوحيد الذي تفيده كلمته والمراد اعتقاد معناها وهو إفراد الله بالعبادة والإلهية والنفي والبراءة من كل معبود دونه لا مجرد قولها وقد علم الكفار هذا المعنى لأنهم أهل اللسان فقالوا ( أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ) وقالوا ( أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ) أي لنفرده بالعبادة دون الأوثان فأنكروا إفراده بالعبادة وعبدوا معه غيره واتخذوا له أندادا قال تعالى : ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي وأنتم تعلمون انه لا ند له وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج : لبيك لا شريك لك * الا شريكا هو لك تملكه وما ملك فالمشركون انما أشركوا في العبادة ولم يشركوا في توحيد الربوبية وكانت عبادتهم للأصنام هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون ويقربونهم إلى الله زلفى ويشفعون لهم عنده فنحروا لهم النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم وقاموا متذللين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم ولم يعبدوهم بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم الا لاعتقادهم انها تقربهم من الله زلفى وتشفع لهم لديه وقالوا وهم في النار ( تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه ولا جعلوهم خالقين رازقين وكان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد ومنهم من يعبد أحجارا ويهتف بها عند الشدائد فبعث الله محمدا ( ص ) يدعوهم إلى إفراد الله بالعبادة كما أفردوه بالربوبية وان لا يدعوا مع الله أحدا قال تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الآية ) وقال : ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أي من شرط الصدق ( كذا ) بالله ان يفردوه بالتوكل كما يجب إفراده بالدعاء والاستغفار وهذه الحال التي أشرك بها السابقون بشرك العبادة هي بعينها حال المسلمين مع الأنبياء والصالحين وغيرهم فاعتقدوا فيهم انهم يضرون وينفعون ويقربون إلى الله ويشفعون عنده فدعوهم ونادوهم في الشدائد والرخاء وهتفوا بأسمائهم واستغاثوا واستعانوا وتوسلوا وتشفعوا وحلفوا بهم وطلبوا منهم ما لا يطلب الا من الله من عافية المريض وقدوم الغائب ونيل المطالب ونذروا لهم بأموالهم وأولادهم ونحروا على قبورهم وطافوا بها وتبركوا وتمسحوا بها فصار الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام لأنه قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم . وكما أن السابقين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولم ينفعهم ذلك لأنهم مشركون بالعبادة فلم ينفعهم إقرارهم بالله لأنه نافاه فعلهم كذلك المسلمون
--> ( 1 ) صفحة 3 - 16 .